الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
169
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إذا احتمل أن يكون كل منهما سببا لوجوبه في الجملة حتى أنهما إذا اجتمعا لم يكن هناك إلا وجوب واحد وكذا الحال لو قيل أن إدخال الحشفة سبب لوجوب الغسل والإنزال سبب لوجوبه وقد يناقش في العبارة المذكورة أيضا بأن ظاهر لفظ السبب يقتضي فعلية التسبيب وهو لا يجامع كونهما سببين لسبب واحد إذ مع اجتماعهما لا يكون السببية إلا لأحدهما ويكون الآخر سببا بالقوة وهو خلاف ظاهر اللفظ القاضي بسببية كل منهما فعلا ويدفعه أن السببية الشرعية لا ينافي عدم فعلية التأثير لصدق السببية الشرعية مع شأنيّة التأثير قطعا بل مراعاة التأثير غير معتبرة في الأسباب الشرعية من أجلها ولذا لم يكن هناك مانع من اجتماعهما على سبب واحد كما هو ظاهر من ملاحظة مواردها ومنها المثالين المذكورين ودعوى كون إطلاق السبب منصرفا إلى ما يكون مؤثرا بالفعل محل منع أيضا على إنه لا يجري ذلك فيما لو عبر عن السببية المفروضة بلفظ آخر خال عما ادعي من الظهور ربما ذكرنا يظهر الجواب عن الخامس أيضا فإن الأسباب الشرعية ليست بمؤثرات حقيقية في الغالب كما نص عليه المستدل قدس سره في أول كلامه وإنما هي كاشفة في الغالب عن المؤثرات فما ذكر في الاحتجاج من أن الثابت بالسبب الثاني لا بد أن يكون مغايرا للمطلوب الأول ضرورة تأخّر المسبب عن سببه ليس على ما ينبغي إذ لا مانع من كون المسبب الثاني كاشفا عن المسبب الأول أيضا وأيضا قد يكون مسببه تكليفيا آخر متعلقا بالفعل الأول فيتأكد جهة التكليف به من غير حاجة إلى تكراره فتحصل من جميع ما ذكرناه أن مجرد تعدد الأسباب الشرعية لا يقضي بلزوم تعدد الأفعال المتفرعة عليها بل يمكن تواردها على محل واحد من غير خروج عن ظاهر الحكم بكونها أسبابا وقد يقتضيان حصول جهتين للتكليف بالفعل فيتعدد التكليف دون المكلف به كما هو الملحوظ في المقام نعم تعدد التكليف قاض بتعدد المكلف به وتعدد المكلف به قاض بتعدد الأداء حسبما مر بيانه فيما قررناه من المسألة لا مجرد تعدد السبب مع عدم ثبوت تعدد التكليف فلا قضاء فيه بتعدد التكليف ولا تعدد المكلف به ولا تعدد الأداء نعم في تعدد السبب بعد ظهور تعدد التكليف تأييد للدلالة على تعدد المكلف به ولزوم تعدد الأداء كما مرت الإشارة إليه خامسها أن تداخل التكاليف بناء على القول بها مطلقا أو على ما ذكرناه من التداخل في بعض الصور المذكورة فهل يتوقف حصوله على نية الكل تفصيلا أو إجمالا أو يحصل قهرا مع عدم نية خلافه أو ولو نوي الخلاف مع نية البعض فيدخل فيه الباقي تبعا أو ولو من دون نية خصوص شيء من الأمرين إذا أتي بصورة الفعل المشترك بين الكل وجوه والذي يقتضيه التأمل في المقام أن يقال إن المطلوب بالأمرين الحاصلين في المقام إما أن يكون من قبيل العبادة أو من غيرها أو يختلف الحال فيه ثم إن أداءه إما أن يتوقف على قصده ونيته أو أنه مما يحصل بأداء صورته فإن كان كل من الأمرين مما يحصل بأداء صورته من غير توقف له على نيته فلا بد من الحكم بالتداخل فيه مطلقا من غير توقف له على نيته من غير توقف له على تعيين شيء من المطلوبين ولا على قصد امتثال الأمرين نعم لو كانا أو أحدهما عبادة توقف حصول الأمرين على قصد القربة فلو نوى القربة بأحدهما وغفل عن الآخر حصل أداؤه أيضا مع عدم قصد التقرب به بل ومع الغفلة عنه من أصله لما عرفت فيما قررناه سابقا من عدم توقف العبادة إلا على اقتران قصد القربة في الجملة وأما اعتبار قصد التقرب بملاحظة خصوص الأمر الوارد بها فلا وإنّما قلنا بإمكان صحة العبادة مع عدم صدق الامتثال بالنسبة إلى الأمر المتعلق بها فيكون ما يأتي به مسقطا للأمر المتعلق بتلك العبادة نظرا إلى أداء الواجب به فغاية الأمر في المقام أن يقال بعدم صدق الامتثال بالنسبة المفروضة وعدم ترتب الثواب عليها من تلك الجهة وقد عرفت أنه لا مانع من صحة العبادة ووقوعها وسقوط الواجب بها بعد اقترانها بقصد القربة بجهة مصححة له وإن لم يحصل بها امتثال الأمر المتعلق بتلك العبادة ويحتمل في بادي الرأي عدم وقوع العبادة الغير المقصودة إذ المقصود من العبادة حصول الامتثال والطاعة وهو غير حاصل مع عدم القصد إلى العبادة المفروضة بل ومع القصد إلى عدم أدائها والأظهر بعد التأمل هو الوجه الأول حسبما مر الوجه فيه نعم لو أريد امتثال الأمرين وترتب الثواب عليه من الوجهين توقف ذلك على قصد الثبوت به من الجهتين وفي الاكتفاء بالنسبة الإجمالية حينئذ مع عدم التفطن للتفصيل وسيما إذا علم تعلق الأمرين به ولم يعلم خصوصية شيء منهما فأتي به من جهة تعلق الأمر به كائن ما كان ولو توقف الإتيان به على قصده ونيته كما في الغسل فإن صدق اسمه يتوقف على نيته وإلا كان غسلا محضا وكأداء الزكاة فإن دفع المال مع عدم قصدها يكون عطية ولا يعد زكاة فإن كان كل من المطلوبين على الوجه المذكور فلا إشكال في توقف إيقاعهما على قصدهما ولو نوي به أحدهما وقع به ذلك دون غيره سيما إذا نوي عدم وقوعه فلا يتداخلان بناء على القول بالتداخل إلا بالنسبة هذا بالنسبة إلى قصد أصل الفعل وأما بالنسبة إلى نية القربة فالحال فيه كالمسألة المتقدمة من غير فرق والظاهر أن الأغسال من هذا القبيل فلا تتداخل بعدم القول بعدم مباينها كما هو الظاهر إلا مع قصد الكل نعم لو تم الدليل على الاجتزاء بفعل واحد عن الجميع ولو من دون قصد اتبع ذلك وكان مخرجا له عن حكم القاعدة ولو توقف أحدهما على نيته دون الآخر فإن نواه أو نواهما معا رفعا معا وإلا وقع الآخر خاصة وتوقف الإتيان بالأول على أداء الفعل ثانيا مع القصد إليه وسادسها قد عرفت أن مورد التداخل على القول به ما إذا كان المطلوبان من طبيعة واحدة أو من طبيعتين متصادقتين ولو في بعض المصاديق وأما إذا كان بينهما مباينة في الخارج فلا كلام في عدم التداخل وإن اتحد في الصّورة وحينئذ فنقول إن علم التباين أو التصادق فلا كلام في عدم التداخل وأما إذا شك في تباين الطبيعتين وعدمه مع اتحادهما صورة كغسل الجنابة وغيره من الأغسال إذا شك في اجتماعهما في مصداق واحد فهل يبنى على المباينة وعدم جواز التداخل حتى يتبين التصادق أو على جواز التداخل نظرا إلى الاتحاد في الصّورة وعدم صورة المباينة فيجزي المأتي به عن الأمرين وجهان والمتجه هو الأول إذ مع احتمال التباين لا يمكن الحكم بتصادق الطبيعتين في مصداق واحد نظرا إلى قضاء اليقين بالاشتغال باليقين بالفراغ وعدم قيام دليل على اجتماع المطلوبين في ذلك ليحكم معه بالفراغ ومجرد الاحتمال غير كاف في تحصيل البراءة بل لا يمكن الخروج بذلك عن عهدة التكليف بأحدهما أيضا مع قصد الأمرين بأدائه حسبما يأتي الإشارة إليه إن شاء الله فإن قلت لو كان الحال على ما ذكر لم يكن